يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
179
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
كمعانيه المحتملة ، لذلك فإذا خرج من البرزخ ودخل في القيامة كان رزقه في الموقف على قدر حاله هناك ، فإذا خرج من القيامة ودخل إحدى الدارين انتقل رزقه إليها ، فكان منها إلى الأبد . فهذه حدود رزقه الأربعة . وكذلك عمره وأثره ومكانه من المواضع . والمرء لما لبث في الوجود لم يرد إلى العدم ، ولكن ينقل من مكان إلى مكان ، ويمد بمعا من معان ، كما نقل في فطرة الأربع من تراب ، إلى نطفة ، إلى علقة ، إلى مضغة ، وهي أطباقه التي يركبها من قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق : 19 ] ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] و خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ المائدة : 114 ] ، والأشياء كلها على ضربين مسخر لك ومسلط عليك ، فما سخر لك سلطت عليه ، وهذا موضع الشكر لأنها نعمة ، وما سلط عليك فقد سخرت له ، وهذا موضع الصبر لأنه بلاء . نعوذ باللّه من البلاء وسوء القضاء . وقيل في قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [ العنكبوت : 60 ] أي لا تخبأ وقيل لا ترفع شيئا لغد . وقال ابن عيينة : ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة . وزاد غيره النحلة . وقال صاحب التحصيل في قوله تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ [ الذاريات : 22 ] أي عند اللّه في السماء . وقيل المعنى : في السماء تقدير رزقكم . وكذلك : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : تجعلون شرككم التكذيب . وعنه أيضا يعني به الاستسقاء بالأنواء . وقال أبو حامد رحمه اللّه - وذكر الرزق وتدبيره - : إنه البلية الكبرى لعامة الخلق أتعبت نفوسهم وشغلت قلوبهم وأكثرت همومهم وضيعت أعمارهم وأعظمت مشقتهم وأوزارهم ، وعدلت بهم عن خدمة اللّه تعالى إلى خدمة الدنيا وخدمة المخلوقين ، فعاشوا في الدنيا في غفلة وظلمة وتعب ونصب ومهانة وذل ، وقدموا الآخرة مفاليس بين أيديهم الحساب والعذاب ، إن لم يرحم اللّه تعالى بفضله . وانظر كم آية أنزل اللّه تعالى في ذلك ، وكم ذكر من وعده وضمانه وقسمه على ذلك . ولم تزل الأنبياء والعلماء يعظون الناس ويصنفون لهم الكتب ويضربون لهم الأمثال ويخوّفونهم باللّه تعالى ، ومع ذلك لا يهتدون ولا يتقون ولا يطمئنون ، بل هم في غمرة من ذلك يخافون أن يفوتهم غذاء أو عشاء ، وأصل ذلك كله قلة التدبر لآيات اللّه سبحانه ، وقلة التفكر في صنائع اللّه ، وترك التذكر لكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وترك التأمل لأقوال الصالحين . كما ذكر عن بعض الصالحين أنه قال : ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلا يمضغه